أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
596
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أحدهما : أنه حال من فاعل « جاءَنا » أي : جاء في حال كونه من جنس الحقّ . والاحتمال الآخر : أن تكون « مِنَ » لابتداء الغاية ، والمراد بالحقّ الباري تعالى ، وتتعلّق « من » حينئذ ب « جاءَنا » كقولك : « جاءنا فلان من عند زيد » . والثاني : أنّ محلّه رفع بالابتداء ، والخبر قوله : « مِنَ الْحَقِّ » ، والجملة في موضع الحال ، كذا قاله أبو البقاء ، ويصير التقدير : وما لنا لا نؤمن باللّه والحال أنّ الذي جاءنا كائن من الحق ، و « الْحَقِّ » يجوز أن يراد به القرآن فإنه حقّ في نفسه ، ويجوز أن يراد به الباري تعالى - كما تقدّم - والعامل فيها الاستقرار الذي تضمّنه قوله « لَنا » . قوله : وَنَطْمَعُ في هذه الجملة ستة أوجه : أحدهما : أنها منصوبة المحلّ نسقا على المحكيّ بالقول قبلها أي : يقولون كذا ويقولون نطمع وهو معنى حسن . والثاني : أنها في محلّ نصب على الحال من الضمير المستتر في الجارّ الواقع خبرا وهو « لَنا » لأنه تضمّن الاستقرار ، فرفع الضمير وعمل في الحال ، وإلى هذا ذهب أبو القاسم فإنه قال : « والواو في وَنَطْمَعُ » واو الحال ، فإن قلت : ما العامل في الحال الأولى والثانية ؟ قلت : العامل في الأولى ما في اللام من معنى الفعل كأنه قيل : أيّ شيء حصل لنا غير مؤمنين ، وفي الثانية معنى هذا الفعل ولكن مقيدا بالحال الأولى لأنك لو أزلتها وقلت : « ما لنا ونطمع » لم يكن كلاما » وفي هذا الكلام نظر وهو قوله : « لأنّك لو أزلتها إلى آخره » لأنّا إذا أزلناها وأتينا ب « نَطْمَعُ » لم نأت بها مقترنة بحرف العطف ، بل مجردة منه لنحلّها محلّ الأولى ، ألا ترى أنّ النحويين إذا وضعوا المعطوف موضع المعطوف عليه وضعوه مجردا من حرف العطف ، ورأيت في بعض نسخ الكشاف : « ما لنا نطمع » من غير واو مقترنة ب « نَطْمَعُ » ولكن أيضا لا يصحّ لأنك لو قلت : « ما لنا نطمع » كا كلاما كقوله تعالى : فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ « 1 » ، ف « نَطْمَعُ » واقع موقع مفرد هو حال ، كما لو قلت : ما لك طامعا ، وما لنا طامعين . وردّ الشيخ « 2 » عليه هذا الوجه بشيئين ، أحدهما : أن العامل لا يقتضي أكثر من حال واحدة إذا كان صاحبه مفردا دون بدل أو عطف إلا أفعل التفضيل على الصحيح . والثاني : أنه يلزم دخول الواو على مضارع مثبت . وذلك لا يجوز إلا بتأويل تقدير مبتدأ أي : ونحن نطمع . الثالث : أنها في محل نصب على الحال من فاعل « نُؤْمِنُ » فتكون الحالان متداخلتين . قال الزمخشري : « ويجوز أن يكون « وَنَطْمَعُ » حالا من « لا نُؤْمِنُ » على معنى : أنهم أنكروا على أنفسهم أنهم لا يوحّدون اللّه ويطمعون مع ذلك أن يصحبوا الصالحين » وهذا فيه ما تقدم من دخول واو الحال على المضارع المثبت ، وأبو البقاء لمّا أجاز هذا الوجه قدّر مبتدأ قبل « نَطْمَعُ » ، وجعل الجملة حالا من فاعل « نُؤْمِنُ » ليخلص من هذا الإشكال فقال : « ويجوز أن يكون التقدير : « ونحن نطمع » ، فتكون الجملة حالا من فاعل لا نؤمن » . الرابع : أنها معطوفة على « لا نُؤْمِنُ » فتكون في محلّ نصب على الحال من ذلك الضمير المستتر في « لَنا » ، والعامل فيها هو العامل في الحال قبلها . فإن قلت : هذا الوجه الثاني المتقدم ، وذكرت عن الشيخ هناك أنه منع
--> ( 1 ) سورة المدثر ، الآية ( 49 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 7 ) .